محمد بن جرير الطبري

534

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } قال أبو جعفر : وأما تأويل قوله " فأخرجهما " ، فإنه يعني : فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته ، " مما كانا " ، يعني مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش في الجنة ، وسعة نعيمها الذي كانا فيه . وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان الله هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان ، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه ( 1 ) كما يقول القائل لرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه : " ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت " ، ولم يكن منه له تحويل ، ولكنه لما كان تحوّله عن سبب منه ، جازَ له إضافة تحويله إليه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } قال أبو جعفر : يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا ، إذا حلّ ذلك ( 2 ) كما قال الشاعر : مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ . . . أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا ( 3 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأضيف ذلك . . . " . ( 2 ) لعل صواب العبارة : " إذا حل ذلك الموضع " ، فسقطت كلمة من الناسخين . ( 3 ) البيت لزهير بن أبي سلمى ، ديوانه : 37 ، أرمقهم : يعني أحبابه الراحلين ، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا ، والركاب : الإبل التي يرحل عليها . وراكس : واد في ديار بني سعد بن ثعلبة ، من بني أسد . وفلق وفالق : المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين ، وقالوا : فالق وفلق ، كما قالوا : يابس ويبس ( بفتحتين ) .